أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

34

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

التبعية أما فزان فكانت مركزا تجاريّا قليل الثروة فلم تجتذب أنظار المؤرخين ، ثم إن الحوادث التي وقعت فيهما خلال هذه الفترة قليلة الأهمية ، فيما يبدو . وقد رأينا فيما روينا من تاريخ الدولة الحفصية أن الخليفة المستنصر الموحدى كان قد أقام عبد اللّه عبو ثاني أبناء الشيخ أبى محمد عبد الواحد بن أبي حفص على تونس ، وأخاه أبا زكريا يحيى ابن الشيخ أبى محمد عبد الواحد بن أبي حفص على قابس وأن الخلاف وقع بينهما بعد قليل ومال الجند إلى أبى زكريا فزحف بهم على تونس ودخلها سنة 626 ه / 1259 م وأن أبا زكريا انتهز فرصة ضعف الموحدين أمام بنى مرين وأعلن نفسه أميرا على تونس في السنة نفسها وظل أميرا عليها حتى سنة 647 ه / 1249 م وهو مؤسس الدولة الحفصية التي تبعتها طرابلس . وكان الأمير أبو زكريا - كما رأينا - أميرا هماما قادرا وقد عظم أمر دولته في إفريقية ومد سلطانه على جزء كبير من المغرب الأوسط وبعد صيته حتى بلغ الحجاز فأعلن نفسه خليفة . وكانت طرابلس في حاجة إلى أمير قادر كهذا فهي ولاية واسعة ولكنها قليلة الموارد وكان أهلها على جانب كبير من النشاط والقدرة فاطمأنوا إلى الأمير أبى زكريا وأقبلوا على العمل ليعرضوا ما أصابهم على أيدي العربان وقراقوش وبنى غانية فصدق ولاؤهم لأبى زكريا الحفصى ، وولى أبو زكريا عليها رجلا يسمى أبا يعقوب بن أبي يعقوب الهرغى سنة 626 ه / 1229 م ولكن هذا الرجل لم يكن صادقا أو بعيد النظر ، ويبدو أن بعد طرابلس عن تونس أغراه فنقض بيعة أبى زكريا وأحب أن يستقل بطرابلس ولكن أهلها الذين طالما تعبوا من المغامرين أمثاله تدابروا الأمر فيما بينهم ثم أطبقوا على هذا الرجل وقبضوا عليه وعلى آله وأنصاره وحبسوهم وأرسلوا الخبر إلى أبى زكريا فأمرهم بقتلهم ففعلوا .